القرطبي
255
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( فوسوس إليه الشيطان ) تقدم في ( الأعراف ) ( 1 ) . ( قال ) يعني الشيطان : ( يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) وهذا يدل على المشافهة ، وأنه دخل الجنة في جوف الحية على ما تقدم في ( البقرة ) ( 2 ) بيانه ، وتقدم هناك تعيين الشجرة ، وما للعلماء فيها فلا معنى للإعادة . ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) تقدم في ( الأعراف ) ( 1 ) مستوفى . وقال الفراء : " وطفقا " في العربية أقبلا ، قال وقيل : جعل يلصقان عليهما ورق التين . قوله تعالى : ( وعصى آدم ربه فغوى ) فيه ست مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( وعصى ) تقدم في ( البقرة ) ( 2 ) القول في ذنوب الأنبياء . وقال بعض المتأخرين من علمائنا والذي ينبغي أن يقال : إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ، ونسبها إليهم ، وعاتبهم عليها ، وأخبروا بذلك عن نفوسهم وتنصلوا منها ، واستغفروا منها وتابوا ، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها ، وإن قبل ذلك آحادها ، وكل ذلك مما لا يزرى بمناصبهم ، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور ، وعلى جهة الخطأ والنسيان ، أو تأويل دعا إلى ذلك ، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات ، وفى حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم ، وعلو أقدارهم ، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس ، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة ، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة . قال : وهذا هو الحق . ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهم صلوات الله وسلامه عليهم - وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم ، فلم يخل ذلك بمناصبهم ، ولا قدح في رتبتهم ( 3 ) ، بل قد تلافاهم ، واجتباهم وهداهم ، ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم ، صلوات الله عليه وسلامه . الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يجوز لاحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه ، أو قول نبيه ، فأما أن يبتدئ ذلك من قبل
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 177 وص 180 . ( 2 ) راجع ج 1 ص 308 فما بعد وص 305 . ( 3 ) في ب وج وز وط : رتبهم .